الشيخ الطبرسي

677

تفسير جوامع الجامع

( لِلْبَشَرِ ) على أَنَّها منْذِرَةٌ للمُكلَّفينَ المُمَكَّنينَ الذين إنْ شاؤوا تَقَدَّموا فَفَازوا وإنْ شاؤوا تأخَّروا فَهَلكوا . و ( رَهِينَةٌ ) لَيستْ بتأْنيثِ " رهِين " لأنَّ " فَعيلاً " بمعنى " مفْعُول " يستَوي فيه المذَكَّرُ والمؤَنَّثُ ، وإنَّما هي اسمٌ بمعنى " الرَّهْنِ " كالشَّتيمَةِ بمعنى " الشَّتْمِ " ، كأنَّه قَالَ : ( كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ ) رَهِينٌ ، ومثْلُهُ بَيْتُ الحَمَاسَةِ : أَبَعْدَ الَّذي بالنَّعْفِ نَعفِ كُوَيْكِب * رَهينَةِ رَمْس ذِي تُراب وَجَنْدَلِ ( 1 ) أي : رَهْنِ رَمْس . والمعنى : كلُّ نَفْس رَهْنٌ بِكَسْبِها عند اللهِ ، غَيْرُ مفْكُوك . ( إِلاَّ أَصْحَبَ الْيَمِينِ ) فإنَّهم فَكُّوا رِقَابَهُم عنْهُ بإيْمانِهِم وطاعاتِهِم كَمَا يَفُكُّ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ بأَداء الحقِّ . ( فِي جَنَّت ) أي : هُم في جنَّات لا يُكْتَنَهُ وَصْفُها ( يَتَسَآءَلُونَ ) يَسأَلُ بعضُهم بعضاً ( عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) ، أو : يَتَساءلُونَ غَيْرُهُم عَنْهُم ، كَقَولِهِ : دَعَوتُهُ وتَدَاعَيْنَاهُ . ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) هذهِ حكايةُ قَوْلِ المسؤُولينَ عن المجرمينَ لأنَّهم يُلقُونَ إلى السَّائلينَ ما جرى بينهم وبينَ المجرمينَ فيقُولُونَ : قُلْنا لهم : ما سَلَكَكُم في سَقَر ؟ ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) إلاَّ أنَّه جَاءَ على الحَذْفِ والاختِصَارِ . ( وَكُنَّا نَخُوضُ ) أي : نَشْرعُ في الباطلِ ونَغْوِي مع الغَاوينَ . وأَخَّرَ التَّكذِيبَ على معنى : أنَّهم بعدَ ذلك كُلّهِ مُكَذِّبينَ ( بِيَوْمِ الَّدِينَ ) تَعْظيماً للتَّكذيبِ . ( حَتَّى أتَنَا الْيَقِينُ ) وهو المَوْتُ ومقدَّماتُهُ . ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ) من الملائكةِ والنَّبيِّينَ وغَيْرِهِم كما يَنْفَعُ الموحِّدينَ . ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ) عن التَّذكيرِ وهو القُرآنُ وغَيرُهُ من المَواعِظِ ( مُعْرِضِينَ ) حَالٌ ، كما تَقُولُ : ما لَكَ قائِماً ؟ ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ) شَديدةُ النِّفَارِ

--> ( 1 ) لعبد الرحمن بن زيد العذري ، قد قُتِل أبوه فَعُرض عليه فيه سبع ديات فأبى إلاّ الثأر وأنشأ يقوله . والنَّعفُ : المكان المرتفع والجبل ، والكويكبُ : جبلٌ بعينه . راجع شرح شواهد الكشّاف : ص 553 .